يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
223
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
لمّا لمحت حروفه انحرف القذى * عن ناظريّ وحاد عن منهاج من شعر يطول . رجع الكلام : مثل ما جرى للحجاج ما خرج ثابت رحمه اللّه عن رجل - ولم يسمه - قال : أرسلني أمير الكوفة بكتاب إلى سليمان بن عبد الملك ، فقال : إن أمير المؤمنين رجل بدوي وسيسألك عن السماء ، فهل تقوم بذلك ؟ . فقلت : لا واللّه . قال : فلما أصحرت ؛ فإذا أنا بأعرابي فقلت : يا أعرابي هل لك في درهمين ؟ قال : حريص واللّه عليهما ، محتاج إليهما ، ولكن ما سببهما ؟ قلت : تصف لي هذه السماء . قال : ويعبأ أحد بذلك ؟ . قلت له : نعم ؛ السائل لك يعبأ بذلك . قال : أتعجز أن تقول : أصابتنا سماء عقد لها الثرى ، وقامت بها الغدر ، ولم نزل منها في مثل مجر الضبع حتى قدمت إليك . قال : فأخرجت قرطاسا فكتبت ما قال . قال : ودفعت إليه الدرهمين ، فكنت أقرأ ما كتبت على ناقتي وذلك هجيراي . فلما دنوت من سليمان بن عبد الملك ، نزلت عن ناقتي فعقلتها ثم سلمت عليه بالخلافة - يريد أن يذرب به لسانه - ثم توصلت إلى سليمان ، فلما ناولته الكتاب قال : هل وراءك من غيث ؟ . قلت : نعم . وقلت له ما حفظت . قال : فكسر سليمان إحدى عينيه وقال : أما واللّه إن هذا الكلام لكلام ما أنت بأبي عذرته . فقلت : صدق واللّه قول أمير المؤمنين ، وحدثته بالحديث . قال : فلقد رأيت سليمان ممسكا على بطنه من الضحك . قوله في الخبر : ما أنت بأبي عذرته ، يقول : ليس من تلقائك ولكنك سمعته فأديته . وقوله : مجر الضبع ، فإن الضبع يختفي في وجاره ولا تكاد تجده إلا بنجوة . فإذا عظم السيل دخل عليه النافقاء فاستخرجه . فلذلك يقال : مجر الضبع . وقوله : بعث قوم رائدا لهم ، فالرائد الذي يرود الغيث ويرتاده أي : يطلبه . يقال : راد يرود رودا وريادا ، والجمع : رواد ، وقد يقال للرائد : راد . كما قالوا للعارية : عارة ، قال الشاعر : فأخلف وأتلف إنّما المال عارة * فكله مع الدهر الذي هو آكله وقال الحجاج لأعرابي كلمة ؛ فوجده فصيحا ؛ كيف تركت الناس وراءك ؟ . قال : أصلح اللّه الأمير ؛ حين تفرقوا في الغيطان ، وأخمدوا النيران ، وتشكت النساء ، وعرض الشتاء ، ومات الكلب . فقال الحجاج لأصحابه : أخصبا نعت أم جدبا ؟ . قالوا : جدبا . قال : بل خصبا . وفسر معنى تفرقوا في الغيطان : أعشبوا ؛ فإبلهم وغنمهم ترعى . وأخمدوا النيران معناه : استغنوا باللبن أن يشتووا اللحم ، وتشكت النساء أعضادهن من كثرة المخض للألبان . ومات الكلب : لم تتماوت أنعامهم فيأكل جيفها . ومن الأمثال : نعم كلب في بؤس أهله ، لأنه إنما ينعم في الجدب ويموت في الخصب . ومن قولهم